ما لا تعرفة عن حقيقة شركات التامين

ما لا تعرفة عن حقيقة شركات التامين

قـلـة مـن الـنـاس هـم أولـئـك الـذين يعرفون مؤسسات التأمين على حقيقتها، ويطَّلعون على خباياها وأسرارها. ويُرجِع الباحثون هذا إلى أمور عديدة أهمها: الدعايا التي تُظهِر مؤسسات التأمين على غير حقيقتها؛ حيث تـظـهـرهـا للناس وفق ما يحبون ويرغبون ويتمنون أن تكون عليه، وتخفي عنهم حقيقتها وواقع أمـرهـا الـذي لـو عرفه الناس لربما نفروا منها، ولما استجابوا لها، كما يقول باحث التأمين الألماني ديترميز. هـذا أمـر، وهـنــاك أمر آخر أعجب منه وأغرب، أمر أدهش كبار الباحثين وحيَّرهم، وهو: أن مجمل الناس لا يهتمون بمعرفة التأمين على حقيقته، ولا علم المؤسسات القائمة عليه رغم ارتباط الــنــاس بـــه وبشركاته، ورغم ما يدفعون من نقود طائلة إلى صناديق تلك المؤسسات. تلك الــظــاهــــرة العجيبة لم يجد لها عديد من الباحثين حلاً أو تفسيراً معقولاً. ولكن المتمعنين في حـقـيـقـة الـتـأمـيـن يـردُّون هذا إلى مـا يـحـتويه التأمين من تعقيدات ـ متعمدة في الغالب ـ وإلى ما يكـتـنف شركاته من عدم الوضوح في المنهج والسلوك في أعمالها وتعاملها. كما يردُّون هذا أيضاًً إلى عدم اقتناع الناس بالـتـأمـين أصلاً أو بوجود احتياج إليه؛ حيث استقر بالاستطلاع الإحصائي الدقيق أنه لا يُقْدِم عديد من الناس على التأمين بدافع الاحتياج والاقتناع، وإنما يُقدِمون عليه بدافع الإعلانات الواسعة إليه وبدافع التقليد، كما يقول هنز ديترمير.
شركات التامين

وقد أجريت استطلاعاً عاماً في مـدن ألمانـية مثل: فرانكفورت، وكلونيا، وميونيخ، وشتوت قـارت حـول مـا يـدفـــع الناس إلى التأمين فوجدت أن ما يقرب من 58% ممن وُجِّه إليهم السؤال لا جواب يملكون إلا قولهم: كذا أو مثل الناس، أو صوب هذا.

وتـتـضـح لـنـا حقيقة مؤسسات التأمين، وطبيعة تفكيرها، وتعاملها بواسطة الموضوعات المهمة التالية:
أولاً: قواعد مؤسسات التأمين: 
ليس لشركة في الـعـالم ماضية وحاضرة ما لشركات التأمين من محددات وقواعد عامة وخصوصا، ظاهرة وخفية. وإن أخـص مـا تخـتـص بــه تلك المحددات والقواعد الصفة التعسفية، الأمر الذي اضطر كل جمهورية في العالم أن تفرض رقابة خاصة على مؤسسات التأمين تملك لتخفف شروطها على المدنيين
ومحددات وقواعد مؤسسات التأمين مـتنوعة: فـمـنـها ما يخص القسط، ومنها ما يخص مِقدار التأمين، ومنها ما يخص الخطر المؤمَّن ضده، ومـنـها ما يخص البدل عن الحادث، ومنها العام الذي تشترك فيه جميع مؤسسات التأمين، ومنها المخصص بمؤسسة محددة، ومنها الواضح الذي يعلمه أكثر الناس، ومنها الخفي الذي لا تعلمه سوى المخصصة من أصحاب الخبرة والممارسة ـ كما يقول صاحب كتاب: (الأمـن الـخـادع) برند كرشنر ـ. وإن من أبرز المحددات والقواعد المخصصة بالتأمين ما يطلق عليه بشرط الإجابات. ومـقـتـضـــــاه: أن تحل مؤسسة التأمين محل المؤمن له في مطالبة الغير بما تسبب من أضرار بممتلكات المـؤمَّــن له لحسابها المخصص، وأن يسقط حق المؤمَّن له في مطالبة المتسبب، وبهذا قد تأخذ مؤسسة الـتـأمـيـن من المتسبب أكثر الأمر الذي تدفعه تعويضاَ للمؤمَّن له، وهذا حينما يكون التلف أضخم من مِقدار الـتـأمـيـن، بـل إنها قد تأخذ العوض كاملاً من المتسبب وتحرم المؤمن له من أي بدل. كما أنه ليس للمؤمَّن له حق في أخذ ما يزيد عن كمية بدل الضرر الذي لحق به. ومنها وقوع حق المـطـالـبـة بمـبلـغ الـتـأمــيـن فـي الأحوال غير العادية كالحروب، والزلازل،والاضطرابات العامة. وشـروط مؤسسات التأمين كلها محددات وقواعد إذعان، أي أنه على المؤمَّن له موافقتها دون نقاش، كما أن تلك المحددات والقواعد تحمي مؤسسات التأمين؛ حيث تُحكِم القبضة على المؤمَّن لهم في الاستقرار في دفـع القسط، في الوقت الذي تضع فيه العراقيل دون حصولهم على مِقدار التأمين، كما يـقـول ماهرو خبير التأمين هنز ديترمير.

ثانياً: غايات مؤسسات التأمين: 
لا تـهـتـم شــركـات التأمين بشيء يضاهي اهتمامها بالربح؛ لهذا نجد تركيزها القوي نحو الـتـخـطـيـط ووضــع نظامها الأساس ينصبُّ على الأخذ بكل أداة تجلب الربح وتجنِّب الـخـســارة؛ بغضِّ البصر عما قد تسببه تلك الوسائل من إحراجات، أو معارضة للدين أو الـخـلـق أو الـسـلـوك الـحـســـن. ويشاهد هذا جلياً فيما تنطوي عليه شروطها من تعسف واستغلال، وخصوصا في التأمينات التي تفرضها بعض الدول على مواطنيها. كما يرى هذا جلياً ايضاًً في استثماراتها الربوية لما تجمعه من دفعات مجدولة دون المشاركة في أي مشروع خيري. كل تلك مـؤشرات إلى أنه ليس لها مقصد في التعاون وخدمة الناس، وإن ألح بعض دعاتها في إقــنـاع الناس بهذا، وإنما مقصدها المحقق المعروف هو الربح والثراء السريع على حساب المؤمَّن لهم، كما يقول أنتون أندرياس في كتابه (فخ التأمين).

ثالثاً: عقود التأمين بين الظن والحقيقة: 
يـعتـقـد عديد من الناس أن من وقَّع عقداً مع واحدة من مؤسسات التأمين مقابل حادث محدد فقـد أمِنَ شــر هــذا الحادث، ونسي همه بلا انقطاع. وذلك غير صحيح فاحش واستيعاب قاصر لحقيقة عقود الـتـأمـيـن؛ فعقود التأمين ليست سوى أوراقاً عارية تهددها سهام موجهة يندر أن لا تصاب بأحدها. تلك السهام المعروفة بنظام مؤسسات التأمين، بشروطها ورجالها المأمورين المدافعين عنها من الـتـابعين، والموالين، والمقررين، والمستشارين، والمحامين، والأطباء، والمتخصصون، وغيرهم من المختصين في حراسة مؤسسات التأمين، وإبطال أي دعوى تتم إقامة ضدها. نعم! هذه المؤسسات اسـتـمـالـــت واشترت بالمادة ذمم عديد من أولئك الناس الذين يتولون التقصي في الـحـــوادث، وتـقـويـمـهـا، وبيان إتجاه التشريع فيها، وما ينتج عنها من مســؤوليات وتعويضات.

إنه ليس شيء أيسر على شـركــات الـتـأمـيــن مــن العثور على الداعِي لإبطال عقد من العقود، والتحلل من التزاماته؛ فالظروف غير العادية ـ وفق نظامها ـ تجعلها في حل من جمـيع التزاماتها، وتزايد الخطر من مبطلات الالتزام ما لم يزد المؤمن له في مقدار القسط. والإخلال بشرط من شروطها مهما خفي كلفه يُعد لـديـهـا من أفضَل المحللات. وقد وضعت شروطها وأحكمتها بحيث لا يجيء بها كاملة سوى قلة من الناس، فيندر أن يســلــم واحد من من المؤمن لهم من شر تلك المحددات والقواعد التي تجد مؤسسات التأمين فيها أعظم ميدان لتصيُّد الثغرات والتحلل من الالتزامات.

والحاصل أن مؤسسات التأمين تعقد العديد، ولا تفي سوى بالقليل، كما يقول صاحب كــتاب (الأمــن الـخــادع). وكما يـقـول ماهر ومتمرس التأمين الألماني أنتون جوها: إنه طبقاً لإحصائيات المكتب الفيدرالي الألماني فقد حدث في عام 1984م مليونا حادث عمل كلها مؤمَّن ضدها، ولم تعوض مؤسسات التأمين منها سوى 2.9% لاغير .

بذلك نشاهد أن مؤسسات التأمين لها عقود ومحددات وقواعد لا تلتزم بشيءٍ منها سوى وهي راغمة، ومـن يمكنه أن يرغم جيوشها الجرارة من المحامين والعملاء والقضاة وسائر المنتفعين؟!.

آثار التأمين في حياة الناس:

قـد يـعـتـقـد بعض من لا يعلم حقيقة التأمين، وخصوصا أولئك الذين يصغون أسماعهم لمـا تروِّجه شــركـــات التأمين من دعاية ملفتة للانتباه، ويقرؤون ما تنشره أقلام أتباعها من مؤلفـين وصحفيين وغيرهم قد يـعـتقـد أولئك أن التأمين خير لا شر فيه. ولكن الشأن نحو من يعلم حقيقة التأمين يخـتـلـف؛ فإن كانت للتأمين بعض المحاسن، فمساوئه تطغى على كل أثر حسن وسأبيِّن هذا عن طريق إشعار إيجابيات التأمين، وسلبياته، والموازنة بين الإيجابيات والسلبيات من واقع الحياة.

الآثار الإيجابية في التأمين:

يقول أصحاب التأمين: إن من إيجابياته الموضوعات التالية:
1 - تكوين رؤوس المال:
يُجْمِعُ رجال الإجراءات والمال على أن أعـظم داع لتكوين رؤوس الثروات التي عرفها العالم في الـقـديـم والـحـديـث نـظـام الـتـأمين؛ هذا أنه ما من شيء يُتَصَوَّر في حياة من يأخذون بالتأمين سوى وللتأمين فيه حظ وافر ونصـيـب جزل، سواء كان هذا في مقابل تأمين الأنفس أو الثروات أو الممتلكات أو الحقوق أو مجرد الآمــال والأحــلام؛ حـتـى إن الـفـرد والجماعة والـدولـة في الـعـصر الجديد يخصصون بنداً ضخماً في ميزانياتهم السنوية لتكلفة التأمين، ويُعِدُّون لهذا الـعـدة الـصـعـبـة، بــل إن الأمـر قـد وصل أن التكلفة التأمينية أجَّلت بعض المشروعات؛ وهذا لأن التأمينات لا تقـف نحو حاجز؛ فبقدر ما تنتجه قريحة أصحاب التأمين من تـصـنـيـع للأخـطــار بـقدر ما تطول يد التامين لتحصيل الثروات. ولدى مؤسسات التأمين مـوهـبــة فائقة في تجسيم الأخطار، وإبرازها، وتقريبها من الناس. فأيسر الأخطار وأندرها بل وبعيدُ التصور منها تنفخ فيه مؤسسات التأمين حتى تجعله الشبح المخيف الذي لا يصح تـجـاهـله، والذي ينبغي الإسراع إلى إجراء ما يقي منه ويدفعه. وبهذا انهالت على أصحاب الـتـأمـيـن الأمـوال الـطـائلة والثروات الفاحشة. ويقول أصحاب التأمين: إن تلك الأموال مـفـيـدة للـنـاس؛ حـيـث إنـهــا تستخدم وتستثمر في المشروعات العامة النافعة للجميع، كما يـقـولـون: إنها نافعة للدولة؛ حيث إنها سندها نحو الظروف الحرجة الاستثمارية، كما يتخذ قرار هذا ماهر ومتمرس التأمين ( هنز مير).

شركات التامين
2 - المحافظة على مكونات الإصدار: 
إذا احترق المصنع، أو انفجر، أو تهدَّم، أو مــرض العامـل، أو توفــي أو توقف، ولم يكن ما يعوض هذا أو يصلحه فإنه قد تنحط مكونات الإصدار البشرية والآلية، فيضعف إنتاجها أو يـتـوقـــف. ويقول أصحاب التأمين: إنه بالتأمين يستطاع حظر هذا، فلا تضعف مكونات الإصدار، ولا تتوقــف؛ هذا أنه إذا احترق المصنع أو انفجر، أو تهدم فإن مؤسسات التأمين تعوض أصحاب المـصـانـع بدفع مقدار التأمين الذي يستطاع به إرجاع تشييد ذلك المصنع. وإذا مرض العامل فإنها تعالـجــه، وإذا تبطل تعوضه، وإذا وافته المنية فعل لأسرته. ويعدون هذا حسنة من حسنات التأمين وواحدة من إيجابياته.

3 - السيطرة على التوازن الاستثماري:
تتكبد عديد من الدول ـ وخـاصـة الصناعية منها ـ من عدم التوازن الاستثماري بين العرض والـطـلـب؛ فـقـد تكـثر النقود في أيدي الناس مع قلة المنتجات المعروضة في أماكن البيع والشراء، فيرتبك الاقـتـصـاد، وهـو مـا يعلم بحـالة التضخم. وقد تكثر المنتجات المعروضة في أماكن البيع والشراء مع قلة النقود في أيدي الناس فتبور المنتجات، وهو ما يعلم بالكساد. ويعد الاقتصاديون كلا هاتين الحالتين الاقتصاديتين غير صحيتين.

ويقول رجال التأمين: إنه يمكن بالتأمين تفادي هاتين الحالتين المضرتين بالاقتصاد؛ فإنه يمكن في وضعية التضخم الاستثماري التمدد في التأمينات الإجبارية لتعم أكثر قدر جائز من الـناس، وخصوصا التأمينات الاجتماعية، وبالتالي يمكن سحب قدر عظيم الأمر الذي في أيدي الناس من الـنـقـود، فتقل القدرة الشرائية، فيتزن العرض والطلب. وفي وضعية الكساد يمكن للدولة أن تـزيـد من مخـصـصـات السقماء، والعاطلين عن الشغل، ونحوهم، فتكثر النقود في أيدي الـنـاس، فتزيد القدرة الشرائية، وينقضي الكساد، ويعتبرون هذا واحدة من إيجابيات التأمين؛ كما يقول ماهر ومتمرس التأمين بول برس في كتابه: (أثر التأمين في الاستثمار القومي).

4 - اتقاء الأخطار:
تـرغـب شـركات التأمين في عدم إجابات المصائب والأحداث في الموضوعات المؤمَّن ضدها حتى لا تـضـطـر إلى دفـع مِقدار التأمين الذي تعهدت به، ولهذا فهي تضغط على المؤمَّن لهم وتشدد عليهم لـيـجـتـنبوا الأخطار ويبذلوا المجهود في المحافظة على الثروات المؤمن عليها؛ ويقول أصحاب التأمـيـن إن هذا يقود إلى المحافظة على قوة الاستثمار للبلد؛ فهو من إيجابيات التأمين كما يقول بول برس.

5 - مبالغة الائتمان:
لا توافق البنوك ولا أصحاب الثروات على إقراض واحد من الناس قرضاً ربوياً ما لم يوثق ذلك الــقــرض بـوثـيـقــة ائتمان تكفل لهم مستحقاتهم، وهو ما يعلم بالرهن. وهم لا يقبلون تلك الرهون ما لم تكن مؤمنة مقابل الفناء والهلاك. لهذا فأصحاب الثروات يطالبون من يـقـرضونهم قروضاً ربوية بتوثيق ديونهم برهون محددة من مبنى وغيره، ويطالبونهم كذلكً بالتأمين على وثائق الائتمان تلك، حتى إذا هلكت العين المرهونة قام التأمين مقامها.

ويقول أصـحــاب الـتـأمـيــن: إن هذا ينشط التجارة ويخدم الاستثمار؛ فهو كما يشاهدون من إيجابيات التأمين.

6 - بث الأمن والطمأنينة: 
يـذكـر رجـال الـتـأمـيـن أن الـتـأمـيـن يجلب الأمن والطمأنينة والراحة والهدوء للجميع؛ فـأصـحـاب المصانع مطمئنون إلى سـيـر مصانعهم ونجاحها، وأصحاب الثروات واثقون من ســلامــة أمـوالـهـم، وأصـحــاب البيع والشراء والتعامل مع البضائع مطمئنون إلى سلامة بـضـائـعـهـم، وكـذلك رجال الأفعال والموظفون والعمال، وغيرهم ممن يتعامل مع التأمين كلهم يتاجر ويعمل بهدوء نفس وأمن واستقرار. ويعدون هذا من إيجابيات التأمين. (مبادئ التأمين).

آثار التأمين السلبية:

يـقـرر أصـحـاب الـبـصـيرة في حقـيـقة التأمين أن للتأمين سلبيات ومساوئ عظيمة وكثيرة، ويحسبون من أخطرها وأضرها بالناس الموضوعات التالية:

ثانياً: التأمين فقدان استثمارية: 
إن الـكـثـرة الـكـاثــرة هي الجماعــة الخاســرة في عملية التأمين، والقلة النادرة هي الفئة الفائزة؛ فإنَّ قدْراً لا يستهان به من نقود الأشخاص والجماعات والجهات والدول يُرمى به في صناديق الـتـأمــيـن في العالم دون داع حقيقي لذلك الإجراء. والجميع خاسرون لتلك الأمـــوال دون جدوى ظاهرة محسوسة، ولا يستثنى من هؤلاء إلا قلة نادرة لا تُعَدُّ شيئاً إلى منحى الأعداد العظيمة من المؤمَّن لهم، تلك البعض النادرة هم أولئك الذين يحدث لهم الحادث المـؤمن ضـده مـمـن تـدفــع لهم مؤسسات التأمين التعويضات، ولا نفع لهم في هذا سوى إذا جـاوزت تـكـالـيف الحادث ما دفعوه من دفعات مجدولة مع اعتبار زمن اقتصاد تلك الدفعات الجدولة لو لم يدفعوها، واستثمروها بأنـفـسهم حتى هذا الحين. وأكثر من يحدث لهم الحادث يكادون ألاَّ يذكروا فيما يتعلق لـمـجـمـوع المؤمن لهم؛ فالرابحون الحقيقيون من خلف ضياع المجموع في عملية التأمين قلة من الناس تـكـاد تُعد على الأصابع أولئك هم قادة التأمين في العالم. لهذا فخسارة الأمة بالتأمين باهظة، وهـي عـامــة شاملة، وتعد من أنكى الخسائر الاستثمارية التي منيت بها الأمم في العصور المتأخرة، وأشـدها غبناً؛ فإن مجموع المؤمن لهم باعتبار الــشــاة الـحـلــوب التي لا تعلف سوى بـجزء يـسـير من مقدار لبنها؛ فهي الفقدان الواضحة الجلية كالشمس في رابعة النهار مهما تستَّر عليها المستفيدون المستغلون لمصائب الناس. ولزيادة الوضوح والتسهيل في إستيعاب تلك العملية الخاسرة وضعتُ معادلة رياضية عرضتها على مجموعة من الاقتصاديين الغربـيـيـن، وخـاصة من كان منهم وثيق الصلة بالتأمين، ولم يستطع واحد من منهم أن يردها، أو أن يــدافـــع عن التأمين سوى بقوله: (إنه وجوب فيما يتعلق لنا)، أي فيما يتعلق للغرب، لتقطُّع الصلة فيما بينهم.

ويقول منطوق تلك المعادلة الرياضية:
إن مجموع ما يدفعه المؤمَّن لهم = مكاسب المؤسسة + جميع مصاريفها + ما يعاد للمؤمن لهم نحو الحادث.
شركات التامين
ويتبين من تلك المعادلة الـريـاضية الرهيبة نطاق الضياع العظمى التي تُمْنَى بها الأمة من جـرَّاء الـتـأمـيـن؛ فمـعـلـوم أن مكاسب مؤسسات التأمين لا تضاهيها مكاسب؛ حتى إنها لتكفي لإقامة دول كاملة، ومصاريـفـهــا أدهى وأمرُّ؛ فهي تشمل جميع ما تبذله من منح سخي لمديريها، ووسطائها، وموظفيها، وسماسرتها، وبائعي الذمم من عملائها الذين لهم رابطة بتقييم النكبات ونتائجها، ومخـتـلـف صورها. كما تشمل جميع رسوم الجمهورية المفروضة عـلـيـهـا، وإيـجـارات مكـاتـبـها الفـخـمة، ومنشآتها المتعددة، وتكلفة مبانيها الشاهـقة، ودعاياتها الواسعة، إلى غير هذا الأمر الذي لا يحصى من النفقات المفرطة. كل هذا تستنزفه من جيوب المؤمن لهم دون في مقابل. أما ما تعيده إلى المؤمن لهم في وضعية سقوط الحادث فهو نزر سلس لا يكاد يذكر بالـنــسـبـة للأرباح والمصروفات. يقول ماهر ومتمرس التأمين (ملتون آرثر): إن نـسـبـة ما يعاد إلى المؤمن لهم في التأمين على الحياة 1.3% من مقدار الدفعات الجدولة . وما مثل المـؤمـن لـهـم في تلك العملية الخاســرة سوى كمن يبيع ماله بجزء سلس منه. ثم إن ما تدفعه مؤسسات الـتـأمــيـن إلـى المؤمن لـهـم من ذلك النزر القليل لا تدفعه سوى بمرارة؛ حيث تضع الـعـقـبـات لـتـحـول دون صـرفــه؛ فهي تُمقالِّب أمهر المحامين، وتشتري ذمم القضاة من القانونيين، وتضع المحددات والقواعد الخفية المعقدة التي لا يكاد يسلم من شرورها واحد من.

هـذه حـقـيـقــة الـتأمين الاستثمارية المرة، وواقعه الخفي، فهل يقول عاقل عارف بحقيقة التأمين ناصح لأمته إن التأمين شعبة استثمارية؟!

ثالثاً: إنهاك الاستثمار بنزيف الثروات خارج البلاد:
تنقسم دول العالم فيما يتعلق إلى التأمين إلى فئتين:
فئة مصدِّرة للتأمين، وفئة مستوردة. ولا يوجد شك أن الفائزة في تلك العملية هي المصدرة، وأن الخاسرة هي المنتجة بالخارج؛ وهذا أن ناشر الخبر لتلك البضاعة لا ينتج ذلك ما ينفع الناس، وإنما ما يسلبهم أموالهم في لعبة معلوم فـيـهـا سلفاً من الفائز ومن الخاسر، وهي ما يعلم بلعبة الذئب مع الغنم. إن الدول المصدرة للتأمين تأخذ العديد ولا ترد منه سوى النزر القليل. هذه الـدول الـتـي تـمـتـلك شـركات التأمين الكبرى، وخصوصا منها مؤسسات إرجاع التأمين التي تصب مبالغ مالية العالم في مــشــارق الأرض ومـغـاربـهـا في أحواضها. إن التأمين بما فيه إرجاع التأمين إنهاك للاقتصاد الدولي، وخصوصا الدول الـفـقـيـرة مـنــه؛ حيث تسحب به الدول القوية المصدرة للتأمين مبالغ طائلة من حصيلة الدول الفقيرة الأمر الذي يربك ميزانية مدفوعاتها .

رابعاً: عجز بعض المشروعات عن القيام نتيجة لـ الكلفة التأمينية: 
تـمـنــع أكـثر دول العالم من معيشة أي مشروع صناعي أو تجاري، أو غيره الأمر الذي ما لم يؤمن عليه صاحبه مسبقاً. وقد تكون التكلفة التأمينية من الجسامة بحيث تكون عبئاً ثقيلاً على مثل تلك المشروعات، وخصوصا الضئيلة منها؛ بل إنها تغير دون قيامها اصلاً. وتلك حقيقة فـي الـدول الـتـأمـيـنـيـة على وجـــه الخصوص. وقد أجريتُ في جمهورية مصر العربية مقابلة مع مجموعة من الأفراد من أصحاب المهارات الـخـاصـة في الحرف والصناعات والكفاءات المميزة ممن كان بإمكانهم معيشة معامل إصدار ذات قــدرات مــحــدودة تقضي حاجات عديد من الناس وتثري الإصدار الفني، وقد كان سؤالي يتجه بخصوص الداعِي في عدم معيشتهم لمثل تلك المشروعات، فكانت إجابة نحو 55% منهم بأن المانع هو تزايد نفقة التأسيس وخصوصا التأمين. ويصرح نحو 45% بأنه ما منعه سوى تكلفة الـتـأمـيــن، ويقول بعضهم: إنه قد أنشأ شيئاً من هذا فأجهضه التأمين واضطره إلى توقيفه. وتسمع كـثـيــراً لهجة مستنكرة تقول: ما ندري: هل نشتغل لتحصيل لقمة العيش، أو لشركات التأمين؟!

خامساً: الإغراء بإتلاف الثروات عدواناً: 
يـتـعـمـد بـعـض المـؤمـن لهم تدمير ماله المؤمن عليه بحــريق، أو غيره ليحصل على مِقدار التأمين، وخصوصا إذا كانت البضاعة المؤمن عليها كاســـدة في الأسـواق، أو فات زمانها، أو اكتشف فيها عيباً. وقد لا يتلفها فعلاً، ولكنه يصرِّفها، ويصطنع تلفها بحريق أو نحوه بما يوافق محددات وقواعد استحقاق مِقدار التأمين، ويحدث هذا بإغراء النفع من مِقدار التأمين، وخصوصا لو كان الفرد قـد دفـع مـبـالغ عظيمة لشركة التأمين دون أن يستفـيد منها شيئاً، فيقدم على ذلك العدوان بدافع التشفي. وتلك النكبات مشهورة ومنتشرة في بـلاد التأمين أجمع، وهـي أقوى ما تخشاه مؤسسات الـتـأمـيـن، وتشدد في التقصي منه نحو وقـوع الحادث ومثل ذلك الفعل فقدان على استثمار الأمة، وعدوان بغير حق، وهي واحدة من سلبيات التأمين.

سادساً: ازدحام الثروات في أيدي قلة من الناس: 
عـرف الإنـسـان مـنــذ قديم الزمن أن ازدحام الثروات وتجمعها في أيدي قلة من الناس أمر خطير ينتج عنه كـثـيـر مــن الشرور والتسلطات والآثار السيئة، ويعبَّر عن هذا في العصور المـتأخرة بنظام الطبقات في المـجـتـمـع. وقـد أجـمع علماء الإصلاح الاجتماعي على أنه لا شــيء أســـوأ على الشعوب من شقاق مجتمعها إلى طـبـقـات الأغنياء والفقراء. وأن من الآثار الـسـيـئـة لـتـكـــدس الأمــوال في أيدي قلة من الناس تسلطهم وتحكمهم في مصير الكثرة، وتسخيرهم لخدمتهم بغير حق، وتوجيه أمور الأمة في كل جوانبها استناداً لمصالحهم. وقد نهى الإسلام عن تـكـدس المــال فـي أيدي فئة ضئيلة تفسد في الأرض وتتعالى على الناس؛ والتأمين بجميع أشكاله هو الركن الركين لمثل ذلك الازدحام المشين.

سابعاً: التسبب في عديد من الجرائم: 
نتيجة لـ إغــراء المال والطمــع في الحصــول علـى مبالغ التأمين يُقْدِمُ عــدد مـن المؤمن لهم بتلك المبالغ، أو المستحقين لها في أعقاب أصحابها على ارتكاب جرائم شنيعة مروعة من القتل والبتر والتصرفات المنكرة النابية عن أسفل إحساس بالرحمة والشفقة واعتبار الآخرين: فهذا يفجر الطائرة بمن فيها في الأحوال الجوية، لـيـقـتل والدته لأجل أن يحصل على تأمينها، وذلك يخنق أباه، وذلك يغرق السفينة بمن فيها ليحصل عـلـى الـتـأميـن الهائل لبضاعته، وتلك تسقي قرينها السم ثم نجلها لتستأثر بمبلغ التأمين؛ وذلك يقتل زوجــتـه للـغــرض ذاته، وبذلك سلاسل الجرائم المنكرة التي لا يعرفها عصر غير عصر التأمين.

هـــذا وإن جرائم التأمين من أفظع الجرائم التي عرفتها البشرية وأشدها وحشية منذ صبيحة الـتـــاريخ؛ هذا أن تلك الجرائم تستهدف أكثر ما تستهدف الأقرباء؛ فقد أخرج الباحث (شيفر ماكس) بحثاً علمياً دقيقاً رتب فيه جرائم التأمين وفق ما رصدته ملفات إستخبارات أجهزة الأمن العالمية ودراساتها، ودفاتر الضبط في محاكم العالم فوجد أنه يجيء في المرتبة الأولى من جــــرائم القتل نتيجة لـ إغراء التأمين قتل الزوجة لزوجها، ويأتي في المرتبة الثانية قتل الزوج لزوجته، وفي المرتبة الثالثة يجيء قتل سائر الأقرباء مـن أم وأب وغيرهم، وفي المرتبة الرابعة قتل الأبناء مـن قِبَل أبويهم، ولا يجيء قتل الأجـانب سوى في المرتبة الخامسة. وإنه لمنتهى العجب أن يكون التأمين ـ الذي يعني به اتقاء الأخطار ورفعها ـ أعظم داع لأفظع الأخطار وأشنعها!

وليس أدل على هذا من أن (جاك جراهام) وهو واحد من مجرمي التأمين وضع في طرد المنح الذي حملته والدته معها في الطائرة لـغـمــاً هائلاً مزق والدته أشلاءاً، ودمر الطائرة بمن فيها في الأحوال الجوية. وأن (ألفريدي تلتمان) قتلت زوجــهــــا بالسم، ثم ابنها تخلصاً منهما لتنفرد بمبلغ التأمين من بعدهما. وأن (جوفياني فينا رولي) قتل قرينته بالخدعة شر قتلة. وأن (جوليان هرفي) قتل بالسلاح الناري جميع من كان على متن واحدة من البواخر بمن فيهم قرينته، ثم أغرق السفينة لأجل أن يحصل على تأمين قرينته الضـخــم. حكايات وقصص تكاد ألاَّ يصدقها الذهن. تلك حقيقة التأمين.

ثامناً: إبطال حقوق الآخرين: 
تستخدم مؤسسات التأمين أعداداً هائلة من أشهر المحامين في العالم ليتولوا الحراسة بالحق أو الباطل لإبطال حجج خـصـومـهـــا من المؤمَّن لهم، وهي لا تقف نحو ذلك الحد، بل إنها تـسـتـمـيل بـالمـال الأطـبــاء المقرريــن، وقضاة المحاكم القانونيين وكل من له أثر في توثيق النكبات. إنها تفعل هذا لإيـجـــاد أي ثغرة تطلع معها من المسؤولية، فتتحلل من صرف مبالغ التأمين المستحقة بوقوع الحادث المؤمن ضده. وما أيسر العثور على الثغرات، وخصوصا مع شروطها المعقدة الخفية التي يصعب الإلمام بها على عديد من الناس، إضافةً إلى الإتيان بها على الوجه المطلوب.

تاسعا: إفساد الذمم: 
من محددات وقواعد مؤسسات التأمين شرط يقول: «إنه لا يحـق للـمــؤمن له الذي يحدث له الحادث مع غيره أن يعترف بخطئه للآخر مهما كان الخطأ، وإلا فــإن الـشـركــة بريئة من التزاماتها بدفع أي مستحقات تترتب على الحادث. ليس ذلك لاغير بل عليه أن ينكر خطأه، ولو في مواجهة المحكمة، وحتى إذا كان خطؤه لا يحتمل الإنكار.

وبهذا الـشـرط يدفع نسق التأمين المتعاملين معه إلى الكذب وإفساد الذمم، ويــمـلأ المحاكم بالقضايا التي تشغلها الدهـر، ولا تنتهي سوى إلى إجابات مجحفة تحصل بها مؤسسات التأمين على مبالغ مالية المؤمن لهم بالباطل دون أن تدفع لهم ما يقابلها من تعويضات عندالأحداث» .

عاشراً: خسارة المحافظة الفردية على الممتلكات: 
يـتـسـبب التأمـين في سقوط عديد من الإهمال عند المؤمن لهم الذين لا يعتنون ولا يحافظون على أمـوالـهـم وممتلكاتهم كمحافظتهم على أموالهم غير المؤمن عليها، بل يمكن أن يصل الشأن بهم إلى حاجز الرغبة في تلف بعض الأعيان المؤمن عليها طمعاً في مِقدار تأمينها الذي قد يفوق ثمنها. وإن عـدم الإعتناء وترك المحافظة على الممتلكات والأموال مقابل الأخطار من أفـراد المجتمع ضياع هائلة على الأمة؛ لأن قوة المحافظة الفردية لا تعوضها أي قوة محافظة أخرى مهما وصلت. والخسارة الناتجة عن الإهمال لا تضر بالفرد وحده، ولا بالجـمـاعـة، ولا بالمؤسسة المعوضة وحدها، وإنما ينبسط ضررها ليشمل أبعد من هذا؛ حيث يضر بـكامل استثمار الأمة؛ لأن استثمار الأمة هو مجموع استثمار أفرادها. وعليه، فعدم المبالاة وتـــرك الحماية الفردية المشددة على الثروات والممتلكات نتيجة لـ التأمين إهدار لأعظم عوامل الأمن والـسـلامــــة، وإغراء بارتكاب الجرائم والنهب والاختلاس، وتعطيل لغريزة الوقاية التي خلقها الله في الإنسان.

الحادي عشر: تهديد الناس والتغرير بهم: 
إذا كـان الـسـبـب والأصـل الـذي دفـع الناس إلى الأخذ بالتأمين هو الرهاب من المستقبل المجهول، وعدم ثقتهم أمام الأحـداث بأنـفـسـهم؛ فإن مؤسسات التأمين قد استغلت هــذا الـدافــع أســوأ اسـتـغلال، فجسمت أمامهم المخاطر، وعظَّمت في أعينهم الأحداث، وحفَّت الحياة بألوان من المـفـاجــآت والتوقعات غير السارة، وربت الناس على عدم مقدرة الشخص أو الجماعة على مجابهة ذلك المستقبل المكفهر بأنفسهم، بل إن الشأن قد وصل بها أن أخافت الدول ذاتها، وزينت لها وللناس اللجوء إلى مؤسسات التأمين التي جعلتها أمامهم هي وحدها القادرة على مجابهة تلك الموضوعات العظام، وعلى الدفاع والمقاومة لتجنيب الناس أضرار الكوارث ومساوئ الأحداث؛ فهي وإن كانت تسمى مؤسسات التأمين سوى أنها تخيف الناس وترعبهم وتدمــــر ثقتهم بأنفسهم أولاً، ثم تدعوهم ثانياً إلى تأمين أنفسهم مقابل ما أخافتهم منه؛ وذلك هو الـمـرتكز والمبدأ الأول في سياستها الإعلانية، وهو مبدأ تغرير وخداع لا يقره دين، ولا ذهن ولا خلق (كرشنر، هنز ملر، كابل).

الثاني عشر: سلب الناس التمكن من مجابهة الحياة: 
يـؤدي ارتـمـاء الناس في أحضان التأمين، وهروبهم من تحمل مسؤوليات الحياة إلى سلبهم التمكن من مجـابـهة أسفل المخاطر وتحمل أدنى المفاجآت، والحياة كلها مسؤوليات وكلها مفاجآت. ومن الــذي يمكنه أن يؤمن ذاته مقابل جميع أخطارها وتقلباتها؟ ثم ما هو طعم الحياة وأين لذتها لمـن لا يـصـادمها ويكابدها، ويخوض غمارها بنفسه؟ وأين إشباع غريزة حب التغلب والانـتـصــــار التي خلقها الله في الإنسان؟ ولكن ليس الشأن مجرد حرمان من إشباع الغرائز وتحقيق الملذات، وإنما هو الخطر من ضياع تحمل الحياة أصلاً؛ وخصوصا في ذلك العصر الذي تمدين أهله وتعقدت حياتهم، وطغى الشر فيه على الخير.

الثالث عشر: خسارة الروابط وتفكك المجتمع:
يفتقر الإنسان في حياته إلى الآخرين، وخصوصا إلى أقاربه وذويه. وتشتد تلك الاحتياج  متى ما حـل الـعـوز، أو وقعت كـارثة، أو رهاب. لهذا فقد عم الناس منذ العصور الأولى الالتفاف والائتلاف، وقـام بـيـنـهـم التعاون والتناصر ونجدة المعوزين والمحتاجين، وتكونت بهذا الروابط الأسرية، وتكافل المجـتـمـع، وقامت الألفة والمحبة بين الجميع، فكانت العائلة التي هي وحدة الأسرة ونواة المجـتـمع قوية متماسكة لا تهتز، وايضا المجتمع. ولما حل الخراب بالأسر وبدأ التفكك في المجتمع جاؤوا بالتأمين ليحل محل العائلة ويعوض الناس عما فقدوه، ويغني الشخص ـ بزعمـهـم ـ عن الآخرين، ولجؤوا إليه في مختلف أمر كانوا يرجونه من العائلة، فضاعت بهذا الأسـرة، وتهدم تشييد المجتمع، ولم يعوض التأمين الناس عـمـا فقدوه، وإنما ازداد الطين بلة، فقطع ما توجد من روابط، وباعد بين الناس وأسرهم، فـوقـف كل شخص وحيداً بعيداً منقطعاً، لا مغيث له ولا محدد .

موازنة بين الإيجابيات والسلبيات من واقع الحياة:

بـالمـوازنــة بيـن السلـبـيات والإيجابيات في جوانب ثلاثة مهمة، وهي: المنحى الديني، والاجتماعي، والاقتصادي يتبين لنا الفرق الكبير بين خير التأمين وشره:

أ - المنحى الديني: 
لم أرَ من أهل العلم من أفاد: إن للتأمين إيجابيات في الدِّين. وأما سلبياته في هــذا المنحى فقد صرح أهل العلم المعتد بقولهم في بلاد المسلمين: إن التأمين محرم بجميع أشكاله؛ وهذا لأنه لا يهُمُّ سوى على الربا، والقمار، والغرر، وغير هذا، كما هو مبين في مكانه. وإذا لم تكن للتأمين إيجابيات في الدين، وقد صرح أهل العلم بتحريمه، فلا ميدان للموازنة بين الإيجابيات والسلبيات في ذلك المنحى.

ب - المنحى الاجتماعي: 
إذا كان بعض أصحاب التأمين يعدون من إيجابياته تحقـيق الأمن والاطمئنان في المجتمع، كــمــا ســبــق ذكــره؛ فلو سلمنا لهم بهذا فرضاً فإن تسلُّط فئة ضئيلة من أثرياء التأمين في الـمـجـتـمـع وتحكُّهام، وانتشار الجرائم بالتأمين، وإفساد ذمم الناس، وأكل مبالغ مالية الناس بـالـبـاطــل، وإشــاعــة الخــوف مـن المستقبل، وسلب الناس التمكن من مجابهة الحياة بأنفسهم، وقتل الروابط الأسرية، وتفكُّك المجتمع بالـتـعــاملات التأمينية تقضي على تلك الدعوى غير المحققة.

ج - المنحى الاستثماري: 
يقولون: إن من إيجابيات التأمين أنه يعاون على تكوين رؤوس الثروات، والمحافظة على مكونات الإصدار، والتحكم في التوازن الاستثماري، ويعدون من سلبياته أنه فقدان استثمارية وقعت في شعوب العصور المتأخرة، وإنهاك للاقتصاد الـوطــنـي بـنـزيـف أموال البلاد إلى الخارج، ويحول دون قيام الصناعات المخصصة والمشاريع، وهــو مغرٍ بــإتــلاف الأمــــوال عدواناً، وتكديس لأموال المحتاجين بأيدي قلة من الأغنياء، وضــيــاع للمحافظة الفردية على الممتلكات. وبهذا يتبين طغيان السلبيات على الإيجابيات، وتهافت دعوى المحافظة على مكونات الإصدار وهي جوانب اسمها وسمعتها أضخم من حقيقتها، ومن الممكن أن يسـتـعاض عنها بالتأمين الذاتي، وهو أن يخصص صاحب المشروع أو نحوه مبلغاً من المال، وهــو ما يطلق عليه احتياطي النكبات، ويستثمر ذلك الاحتياطي، وقد عُمِلَ بذلك في بعض المصانع الأمريكية والأوروبية فنجحوا نجاحاً كبيراً، ووفروا أموالاً طائلة كانت تذهب عليهم هباء في صناديق التأمين.

جديد قسم : اخبار

إرسال تعليق